اسماعيل بن محمد القونوي
373
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مقام العظمة والكبرياء ضعيف في مثل هذا وجعل بين يديها مستعارا للزمان الماضي وخلفها للزمان المستقبل بجامع احتياج كل حادث إلى الزمان والمكان فالموضوعان للجهتين المكانيتين أعني القدام « 1 » المنفهم من بين يديها والخلف مستعاران للزمان . قوله : ( إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين واشتهرت قصتهم في المتأخرين ) إشارة إلى دفع إشكال بأنه كيف تكون المسخة نكالا لمن قبلها من الأمم الماضية والاتعاظ والاعتبار إنما يكون بعد الوقوع فدفعه بأن الاعتبار بالشيء يكون بإخبار وقوعه من المخبر الصادق واستماعه منه كما يكون بالرؤية أو بالسماع بعد الوقوع والمعنى أنه ذكر في كتبهم أنه تكون تلك المسخة بتلك المعصية ونحوها فاعتبروا بها فصح الفاء في فجعلناها لأن جعلها نكالا للفريقين جميعا إنما يتحقق بعد القول لولا والممتحنة ثانيا وقد عرفت أنه لا قول هنا ولا أمر فلا مجال لهذا التوجيه ولو سلم تحقق هذا القول فالجعل للأمم السالفة كان قبل هذا القول وإن كان بعد إخبار هذا القول فالتفريع على نفس القول لا الإخبار به ولهذا قيل وغاية التوجيه أن يقال فجعلناها تفصيل لما علموا والفاء للتفصيل لا للتفريع وأنت خبير بأن التفصيل بعد الإجمال ولا إجمال « 2 » هنا فالأولى أن يقال إن التفريع صحته باعتبار أحد شقيه كافية في التفريع ولا يلزم من تفريع المجموع تفريع جميع أجزائه كما لا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه كما صرح به المصنف في سورة المسخة في قوله تعالى : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [ الممتحنة : 4 ] الآية والظاهر أن المراد بما قبلها الأولون وما بعدها الآخرون وعكسه بعيد وإن أمكن لأنك مستقبل المستقبل ومستدبرا الماضي كما سيجيء في تفسير آية الكرسي . قوله : ( أو لمعاصريهم ومن بعدهم ) هذا كالأول في كون ما أقيم مقام من والظرفان مستعاران للزمان إلا أن بين يديها مستعار هنا لزمان المسخة وفي الأول مستعار للزمان المتقدم على زمان المسخة والخلف مستعار للزمان المتأخر عن المسخة في كلا الوجهين فحينئذ أمر التفريع ظاهر وفي هذا الوجه لا يتناول ما بين يديها الأمم الماضية مع أنهم من المعتبرين لما ذكره أولا كما أنه لا يتناول المعاصرين في الوجه الأول إلا أن يقال إنهم داخلون فيها قبل المسخة باعتبار أنهم عارفون لها من الكتب أو داخلون في ما بعدها لأنهم عارفون لها بالمشاهدة أو بالسماع تواترا أو يعلم حالهم بدلالة النص فإن تلك المسخة إذا كانت عبرة لمن قبلهم ولم بعدهم فكونها عبرة لمعاصريهم يعلم بطريق الأولى وهذا الوجه هو الأحرى إذ دخول المعاصرين في الأمم الماضية والمستقبلة فيه نوع بعد وأما عدم تناول هذا الوجه الأمم الماضية فلا يضر لأن الاستيعاب ليس بمقصود وقدم الوجه الأول
--> ( 1 ) فيه إشارة إلى أن بين يديه مجاز عن الإمام وهو مجاز عن الزمان الماضي كما هو الظاهر أو المستقبل فيكون مجازا عن المجاز وهذا شائع مشهور فكيف ينكر من انكر المجاز من المجاز . ( 2 ) والقول بأن قوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يتضمن إجمالا أن فيه نكالا قوله فَجَعَلْناها نَكالًا [ البقرة : 66 ] الآية تفصيل لهذا الإجمال بعيد .